محاضرة في اتحاد الأدباء والكتّاب فرع بابل بتاريخ 16/11/2023 بعنوان:
((تحديات في واقع النقد الثقافي))، للأستاذ الدكتور عبد العظيم السلطاني
يواجه النقد الثقافي مجموعة من التحدّيات، مختلفة المستويات ومتعددة المنابع. وأقصد باختلاف المستويات أننا يمكن أن نضع بعض الحدود ونقسّم على أساسها؛ فقسم من التحدّيات يخص النقد الثقافي في أصل منشئه الغربي. بمعنى آخر هي تحديات غير طارئة وإنّما هي مصاحبة للنقد الثقافي منذ ولادته. والمستوى الآخر من التحدّيات يخص وجود النقد الثقافي في واقع النقدية العربية والدرس العربي. وضمن هذا المستوى يمكن تسليط الضوء على مساحة للتحديات المتجسّدة بشكل واضح في المشهد النقدي والدراسات الأدبية في العراق.
أمّا من حيث تنوّع منابع هذا التحدي فنجدها آتية من عدّة مواضع. فهي متنوعه وممتدة، بدءا من طبيعة المتن الذي يدرسه النقد الثقافي وطبيعة وظائف النقد الثقافي، ثم التحديات ((المنهجية)) التي تواجهه، مرورا بالتحديات التي تواجه تسجيل تاريخ لوجود النقد الثقافي. وهذه تحديات تواجهه أينما كان، فهي عامة ولا تقتصر على وجوده في واقع الدرس العربي. ثمّ هنالك التحديات التي تواجهه بسبب طبيعة فهم الناس له وخصوصية هذا الفهم، أو عدم الفهم أصلا. وهذه النقطة لعلها متجسّدة بوضوح في النقد الثقافي بنسخته العربية.
أولا: تحديات منبعها المتن المدروس:
النقد الثقافي مرتبط بما هو حياتي ومتحرك، لأنّه مرتبط بالثقافة وما تُنجزه. والثقافة بطبيعتها واسعة شاملة، ومن هنا يتضح منبع من منابع التحديات التي تواجه النقد الثقافي والدرس الثقافي بشكل عام. ومصدرها ارتباطه بالثقافة وما تنجزه، التي هي بطبيعتها مرنة وزئبقية وواسعة ومتغلغلة في كل مفاصل الحياة.
لذا انبنت على هذه السمة سمة تخص النقد الثقافي وهي من أكثر سماته حضورا، وأعني بها سمة الانفتاح على المتنوّع والمتعدّد وغير المحدود. وهي قبل حضورها في واقع النقد الثقافي سمة نابعة من واقع عصره الحضاري ،أيضا. وهو عصر مابعد الحداثة. وهي، أيضا، مغروسة في طبيعة النصوص التي دعته لحاجتها إليه. حتى صار الانفتاح على المتعدد سمة مغروسة في أسس وآليات النقد الثقافي. لذا تجده منفتحا بمرونة معرفية، على مختلف المتون- التي هي مرنة بالأساس لأنها نتاج الثقافة- وقادر على العمل فيها. ومن تجليات انفتاحه أنّه يعمل في الأدب بمختلف أشكاله وأجناسه، ويمكن أن يعمل في أيّ نص مادته اللغة وللثقافة حضور في إنجازه. مثلما يمكنه أن يخوض في حقل الفن أو التشكيل المعماري، وغير ذلك من منجزات تدخّلت الثقافة في إنتاجها. وشرعية وجوده في الحقل الأدبي أنّ الأدب نسيج يحمل خطابا قابلا للتحليل والدرس، والأدب من جهة أخرى تلخيص مكثف للحياة ولا يقتصر وجوده على فكرة التشكيل الجمالي، فهو فضلا عن البعد الجمالي، يبقى حامل ثقافةٍ ومعبّراً عن ثقافة. لذا هو مسؤول عن مجمل أبعاد النص الجمالية والثقافية والفكرية. وأمر الانفتاح المغروس في بنية النقد الثقافي تُبقي هذا النقد يواجه تحديا دائما ومستمرا وهو يواجه متونه الثقافية الأدبية، التي تغلغلت فيها الثقافة من حيث نوع الفكر المحمول في النص الأدبي ومن حيث البناء الفني المتأثر بالثقافة.
ثانيا: التحدي المنهجي:
النقد الثقافي ليس منهجا، إنّما هو فعالية أو نشاط، منفتح على المتعدد والمنوّع من المتون، ومَنْ ينفتح على المتعدد لا يمكنه إلا أن يتحرك مستجيبا لرؤية نقدية مستعدة للانفتاح على المناهج والإجراءات المنهجية المتنوعة. لتكون المناهج النقدية بكل تنوّعها واتساعها وتعدّد إجراءاتها ممكنات متاحة للنقد الثقافي ويمكنه توظيفها. مع التأكيد على أنّ إدارتها تبقى دائما نابعة من تصورات نقد ما بعد الحداثة، ونقد بعد ما بعد الحداثة ((عصر الشبكات)). فهي تتحرك مستجيبة لضابط في الرؤية ومهارة في ((الإدارة المنهجية))، بما يؤدي بالمحصلة النهائية إلى تحليل الخطاب، والوقوف على المغروس فيه من قيم ومعان وأنساق ظاهرة. ثم لا يكتفي بهذا بل يغوص مفتِّشاً عن الأنساق الثقافية المخفية سواء المضمَرة التي فرضتها الثقافة، وهي بين طيات الخطاب وهي تناقض الأنساق الظاهرة فيه، أو الأنساق اللاواعية المنتجة للخطاب.
أما الرهان الثاني فهو أن نقدِّم نقداً ثقافياً ذا نزعة علمية، في تحليل الخطاب. فينظر في: مفرداتِ النص، جملهِ، عباراتهِ المركبة، فقراتهِ، وجودهِ الإجمالي، وما قد يتضمّنه من نصوص غير لغوية (من رسوم وصيغ تشكيلية). باختصار أنْ يقدِّم التحليل مستنداته المقنعة، التي تشمل كلَّ ما يخدم التحليل ويؤدي إلى الغاية المنشودة. لذا فهو قد يعتمد على الإحصاءات والنسب والبيانات، وضبط منطلقات الإحصاء وآليات البحث ومتابعة التفاصيل، وأنْ يسلك شتى الطرق ليُقدم منجزاً نقديّاً معرفياً نافعاً، وأن يبعد نفسه جاهداً عن أن يكون إنشاءً بلاغياً وتصوراتٍ هشّة لا تصمد أمام المساءلة العلمية. ومجمل هذه الآليات في تحليل الخطاب لن تكون بمعزل عن وضع النص موضع التحليل في سياقه التاريخي عند إنتاج النص، وأيضاً، وضع النص في سياقه التاريخي والثقافي في لحظة القراءة. والسبب في الاهتمام بفتح النص على سياقاته أننا لا نتعامل مع مجرد نص، بل نتعامل مع خطاب هو حصيلة النص وسياقه. والتحدي الذي يواجه الناقد هنا، أن ينجو من الوقوع في شرك الانتقائية من الإجراءات المنهجية دون التأكّد من نجاعتها ومناسبتها للإجابة عن الأسئلة. ومدار هذا منوط بمهارة الناقد ومعرفته بالمناهج النقدية الحديثة وبالإجراءات المنهجية وبالمنطلقات النقدية السليمة. ومنوط بقدرته على تأسيس ((منهجية)) فاعلة، والمنهجية هنا تستند إلى إدارة الرؤية النقدية، والإجراءات وسبكها لتكون منطقية ومتماسكة وفاعلة وغير متقاطعة مع بعضها. وثمّة تحدّ يواجه الناقد وهو يحلل النص متناولا الأسئلة الثقافية الكامنة بأن يقاوم نفسه وهو يحلل، بأن ينطلق بموضوعية من النص ويضع كل أسئلة النص نصب عينيه، وأن لا يحلل وهو أسير لفكرة التفتيش عن النسق الثقافي أو الأنساق الثقافية في النص. فهذا خطأ فاحش، والأكثر خطأ وخطورة من هذا أن تكون في ذهن الناقد صورة مسبقة للنسق أو الأنساق قبل التحليل. فهنا يصبح همّه في التحليل إيجاد أدلة تثبت وجود الأنساق ((الظنيّة)) لديه. وإذا كنّا نؤمن بأن النقد الثقافي جزء من النقد الحديث وليس كلّه فهنا ينبغي أن يكون التحليل النقدي شاملا وليس خاصا بأسئلة النقد الثقافي، إن أردنا تحليل النص الأدبي تحليلا تاما.
وهنا على الناقد المحلل أن يحلل نصا على وفق رؤية النقد الحديث الذي يجد أسئلة النقد الثقافي لا تُلغي أسئلة النقد الأدبي الفني في النص.
وقد قدّمت رؤية شاملة تعالج الجانب المنهجي في النقد الثقافي، في كتابي (نقد النقد الثقافي– رؤية في مساءلة المفاهيم والضبط المعرفي، د. عبد العظيم السلطاني، منشورات مركز دراسات الكوفة، دار الرافدين، بيروتـ بغداد، ط1، 2021 (ينظر: ص79ـ111 ).
ثالثا: تحديات كتابة تاريخ للنقد الثقافي:
حتى على مستوى تحديد تاريخ لولادة النقد الثقافي ثمّة تحديات تواجه الباحث. ففنسنت ليتش الذي ارتبط اسمه بالنقد الثقافي يُرجع تاريخ النقد الثقافي إلى القرن التاسع، وتحديدا يربطه بعام 1869م وهو تاريخ صدور كتاب (الفوضى والثقافة) لماثيو أرنولد. في حين تجد من يربطه بعام 1964، وهو عام تأسيس مركز برمنكهام للدراسات الثقافية في جامعة برمنكهام الإنكليزية، وتجد غير هذا وذاك مَنْ يربط ولادته بمدرسة فرانكفورت الألمانية، ولاسيّما بكتاب جدل التنوير لهوركهايمر وأدورنو، الصادر عام 1944. وعلى مستوى الحقب الحضارية والفكرية تجد من يربط النقد الثقافي بعصر ما بعد الحداثة بدءا من منتصف ستينيّات القرن العشرين صعودا. في حين تجد كتابين مهمّين في النقد الثقافي- بصفته العامة وليست المقتصرة على تحليل النصوص الأدبية ودرسها- في النصف الثاني من خمسينيّات القرن العشرين. وهما كتاب أسطوريات لرولان بارت عام 1957، وكتاب الثقافة والمجتمع لرايموند وليامز عام 1958. وهذا التاريخ يقع في أوج مرحلة الحداثة وليس في مرحلة مابعد الحداثة التي ارتبط النقد الثقافي بها. وقد فصّلت القول في كلّ هذا في كتابي (نقد النقد الثقافي–رؤية في مساءلة المفاهيم والضبط المعرفي، ينظر: ص 19،21ـ30 ) ويمكن النظر فيه للاستزادة والتوسّع في فهم تفاصيل وأبعاد هذا التحدي الذي واجه تسجيل تاريخ دقيق لولادة النقد الثقافي ومتابعة مسيرته. وهذا النوع من التحديات ليس نابعا من بنية النقد الثقافي إنّما نابع من ظروف خارجية تتعلق بفهم الناس له ومتابعتهم لتاريخه.
رابعا: تحديات مفاهيمية:
ارتباط النقد الثقافي بالثقافة يدفع إلى رفض الثبات على نحو جامد ومغلق. لذا فالنقد الثقافي بحاجة مستمرة إلى مساءَلة المفاهيم التي شيّدت وجوده، والنظر في الإجراءات التي تحقق غاياته وأهدافه وتطوّر فاعليته النقدية. وبصياغة أخرى هو بحاجة دائمة إلى (نقد النقد الثقافي)، يستوقفه ويفحص ما آل إليه واقعه. فيُوجّه المسار، ويُخرج منه الدخيل الذي علق به عن عدم دراية، وقد يُضيف إليه ما ينبغي أن يُضاف.
التحديات التي على مستوى تحديد المفهوم الكلي للنقد الثقافي وتحديد المفاهيم الفرعية لمكوناته لا يمكنها تجاهل التحدي الأساس وهو تحديد ماهية النقد الثقافي، ومكانه في الدراسات الثقافية التي هي مظلّته الكبيرة، وهل هو بديل عن النقد الأدبي؟ والجواب: كلا. فهما يكملان بعضهما. والنقد الثقافي يجيب عن أسئلة لم يكن بوسع النقد الأدبي الجمالي الإجابة عنها. وهذه كلّها تحديات واجهت النقد الثقافي في النقدية الغربية نفسها. غير انّها لدينا في واقع النقدية العربية أكثر إلحاحا. لأنّ النقد الثقافي بنسخته العربية جاء ببعض الخصوصية سواء في طريقة فهمه من منبعه الغربي أم في الإضافات والتصورات الخاصة في فهمه التي تحققت في النقدية العربية.
فثمّة فريق لدينا ضيّق على النقد الثقافي مسالكه وغاياته بنسخته العربية، حتى حجب بعض فاعليته وإمكاناته، وحرم الحياة الثقافية من خدمة كان يمكن أنْ تُقدَّم لها. فإمكانات النقد الثقافي أكبر من أن تُقصر على ما شاع من تصوِّر تمّ تكريسه في النقدية العربية وسرى على نطاق واسع. وقد تصدرت شروط الغذامي هذا التضييق. وهي باختصار أربعة شروط ميّز بها النقد الثقافي عن غيره. وهي ربط ((مفهوم النقد الثقافي بغاية البحث عن المضمر الثقافي النسقي، والكيفيات التي تُمرِّر بها الثقافة تحت ستار حيل بلاغية/جمالية. وشروطه التي قدّمها لتتحقق الوظيفة النسقية (أو اللحظة الحاسمة في النقد الثقافي) هي: أن يقتصر عمله على المتن الجمالي النابع في عرف الجمهور وليس من قوانين المؤسسة وأعرافها. وأن يكون قد تحقق نسقان في النظام الخطابي لذلك المتن، نسق ظاهر ونسق مضمر، ويشتغلان في آن واحد. وأن ينقض النسق المضمر النسق الظاهر العلني في الخطاب، أي أنّهما غير متطابقين. وأن يكون النص من حيث التلقي يتمتّع بشيوع جماهيري))(نقد النقد الثقافي: ص33-34. وينظر أصل الشروط في كتاب: النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية، عبد الله الغذامي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2000:ص 77-80).
وبعض شروط الغذامي هذه، الخاصة بتحديد مفهوم النقد الثقافي(( أجدها تُضيّق مساحة اشتغال النقد الثقافي، مثلما تضيّق أهدافه وغاياته، وتحجِّم طموحه وإمكاناته. فالنقد الثقافي يمكن أن يكون آليةً أكبر من أن يُقصر اهتمامه في التفتيش عن النسق المضمر، الذي يناقض النسق الظاهر كما أرادها له الغذامي. فالنقد الثقافي قادر، أيضاً، على التفتيش في النسق الثقافي المخفيّ المحرِّك لأنساق الخطاب. وبحسب مقتضيات أسئلة البحث الناقد. فالنسق الثقافي المحرِّك نسق ذهنيّ تجريديّ ومخفيّ. فهو في صفة الخفاء يشترك مع النسق الثقافي المضمر. والفرق بينهما أنّ للنسق المحرّك صفة الإنتاج النسقي الخطاب، ولا علاقة له بمسألة مناقضة النسق الظاهر. فهو محرّكُ ومنتِجُ، وهو ليس محمولا في الخطاب بل يُستدل عليه. في حين النسق المضمر محمول في الخطاب، وهو مخفي، ومناقض للنسق الظاهر. ولأنّه محمول في الخطاب لذا يمكن الوصول إليه من خلال تحليل الخطاب. وتحليل الخطاب يشخّص النسق الظاهر، أولاً، ثم الاستمرار في التحليل للوصول إلى النسق المضمر المناقض للظاهر إن كان موجودا في الخطاب. ولعلّ من المفيد أن نضرب مثلاً للتوضيح. فقد نجد خطاباً ثقافياً في نص معيّن نسقه الظاهر لا مشكلة لديه مع المرأة بل قد يتغزل بجمالها وأنوثتها، غير أنّ نسقه المضمر يحطَّ من شأن المرأة ويهمّش فاعليتها ويسيئ إليها. فهنا لدينا نسقان ظاهر ونقيضه المضمر، لكن ما النسق المحرّك والمسؤول عن وجود هذا النسق المضمر؟ وقد نسأل عن أسباب هذا التناقض الثقافي بين النسقين المحمولين في النص الثقافي. وهنا نكون قد انتقلنا إلى مستوى آخر من الأسئلة، نريد لها أن تكون من أسئلة النقد الثقافي [...] وبناء على تصوّرنا لتوسيع دائرة النقد الثقافي في نوعي الأنساق المتخفّية وانسجاماً مع خاصية الانفتاح في النقد الثقافي نكون في حِلٍّ من شرط ثالث جاء به الغذامي، وهو أنْ يكون المتن الذي يشتغل عليه النقد الثقافي متناً جمالياً في عرف الجمهور، كالشعر أو القصة. فالنصوص غير الجمالية، كالنصوص النقدية مثلاً، هي ، أيضاً، خطابات يمكن أن تتضمّن أنساقاً ثقافية مخفية، ويمكن التفتيش عنها. فآليات الثقافة متنوعة ولا تقتصر على الحيل اجمالية البلاغية))( نقد النقد الثقافي- رؤية في مساءلة المفاهيم والضبط المعرفي: ص35-36) ، وإن كانت النصوص الجمالية بيئة مثالية لتُمرّر فيها الأنساق الثقافية من خلال الحيل الجمالية البلاغية، (وللمزيد من التفصيل في هذا الأمر ينظر الصفحات: 34ـ37 من المصدر السابق) ومجمل التحديات الخاصة بالمفاهيم مقسومة على نوعين؛ فمنها حقيقية نابعة من الطبيعة المطاطية المرنة للنقد الثقافي، ومنها متعلقة بالدارس أو الناقد حين يكون فهمه للنقد الثقافي فهما قاصرا.
خامسا: تحديات مصدرها قصور الفهم أو الاستسهال:
ثمّة من يكتب في النقد الثقافي ويتصور أنّ ما يكتبه نقد ثقافي، في حين هي ملاحظات وتصورات ذاتية نقدية لها صلة بالثقافة. وليس من الصواب أن نسميها نقد ثقافيا. وفي الجانب الأكاديمي أيضا نجد مشكلة الموضوعات أدّت في حالات ليست قليلة الى تسجيل موضوعات ضمن مساحة اشتغال النقد الثقافي في حين لا الطالب متمكن من أدواته النقدية ولا المشرف له اختصاص في مجال النقد الثقافي. لذا وجدنا النقد الثقافي اتسع لدى فريق من الناس، حتى صار ملجأ لمن ضاقت به السبل، وعجز عن أن يقول شيئاً مفيداً في عالم النقد. فأطلق العنان للنقد الثقافي فانفلت من عقال الضبط المعرفي حتى لم يعد هو، حين اتسع لدى هذا الفريق من الناس، وصار بلا شواطئ، فصارت حسنة المرونة المغروسة فيه نقمةً عليه، محت الخصوصية ومسخت الهوية. حتى تصوّر البعض البحث في مضامين النصوص الأدبية هي من النقد الثقافي! في حين هذا هو الدرس التقليدي، وهو حاضر في النقد الأدبي منذ أمد بعيد.
لابأس أن يُخصص عنوان بعض الأبحاث بالنقد الثقافي، شرط أن يكون واضحا في ذهن الباحث أن هذا التخصيص لأغراض البحث الذي يقتضي التحديد أحيانا، إذ لا يمكنه أن يكون واسعا منفلتا في رسالة أكاديمية أولى شروطها التحديد والدقة. وشرط أن يبقى واضحا في ذهن الباحث أن تحليله يجيب عن أسئلة ثقافية، وأن هنالك أسئلة أخرى متضمنة في النصوص الأدبية التي حللها (كالأسئلة الجمالية والمستوى الفني للنصوص) وهو لم يقم بالإجابة عنها لأنها لم تكن مرتبطة بأسئلة بحثه المحددة بما هو ثقافي، لأنّه بحث أكاديمي.
ثمة مشكلة أخرى أن بعض المشتغلين بالنقد الثقافي لا يستندون الى معرفة منهجية ومفاهيمية سليمة لماهية النقد الثقافي فتراهم يقدمون أفكارهم ومعلوماتهم الخارجية السابقة للتحليل، ويتصورونها هي الأنساق المضمرة في النصوص موضع الدرس والتحليل. لذا يبقى أحد التحديات إيجاد نقد ثقافي بأطر معيَّنة لمفاهيم أساسيّة، وإيجاد منطلقات مساعدة، تسعى إلى إخراج النقد الثقافي من الهلامية والاستنتاجات المبنية على مجرد تصورات لدى هؤلاء الذين يسوّقون نتاجهم على أنّه نقد ثقافي. واتساع هؤلاء المشوّهين للنقد الثقافي يمثّل تحديا لمجمل الدرس الثقافي، لكشفهم والانتصار للنقد الثقافي بمفاهيمه المعرفية المناسبة له. ولتأكيد المفاهيم المنطقية الصحيحة والعمل على نشرها، لتكون المفاهيم الخاصة بالنقد الثقافي أكثر ثباتا ووضوحا. وأعني بها تلك المفاهيم التي تدعم النقد الثقافي ليكون بحثاً نقدياً يستند إلى وعي يدرك الحضور النسقي وطبيعة اشتغاله ودوره، ويستند في تحليله إلى أدلّة وإحصاءات وبيانات، فضلا عن إفادته من النظريات النقدية والثقافية واللغوية.
إرسال تعليق