شعرية البوح وقلق الحدث الشعري
قراءة في مجموعة (بوحٌ.. تعزفُهُ الكلمات) للشاعر وسام العبيدي 
د. أحمد الخيّال
(بوحٌ... تعزِفُهُ الكلمات) عُنوانٌ اختارَهُ الشاعرُ العراقيُّ وسامُ العبيديُّ لمجموعته الشعريَّةِ الأولى عام 2016*. والبوحُ كما معروف هو الكشفُ عن المُضمَرُ من المشاعر، وأباحَهُ: بمعنى أعلَنَهُ بعدما كان سرّاً، وأخبرَ الشاعرُ عن هذا البوح بالجملة الاسمية (تعزِفُهُ الكلمات)، أي أنَّهُ بوحٌ جَمَالِيٌّ عَزَفَتْ الكلماتُ دلالاتِهِ عندما قرَّرَ الشاعرُ إعلانَهُ.
العنوانُ هو العَتَبةُ الأولى للدخول إلى عُمقِ النص، وهو البنيةُ الكُبرى التي تندرجُ تحته العناوينُ الجُزئيّةُ الأخرى، وكان الشاعرُ مُوفّقًا في اختيار عنوانه، فالشعرُ هو بوحٌ مختلفٌ عِبْرَهُ تتمُّ عَمليّةُ تقصِّي المشاعرِ لِتَنسُجَ جَمالَها الخاصَّ، وقد استطاعَ الشاعرُ أنْ يُنجِزَ لَحظتَهُ الشعريَّةَ واختراقَ كثافةِ المعنى بهذا البوح الشفيف الذي يؤرِّخُ قلقَ الحدَثِ؛ لِيحوِّلَهُ مِن الواقعيِّ إلى الانفعاليِّ الشِّعريِّ.
وتتجلّى بلاغةُ البوحِ عند الشاعر في أُمنياته حينما يقول:
( أتمنّى 
أن تكوني في مقامي
وتقاسين عذابات الهيام)
أو في قوله:
(كلُّ هذا أتمنَّاهُ لكِ
يا عذبةَ الرُّوح
وإن حطّمتِ روحي الشاعرية).
لم يخبرنا الشاعر عن كينونة رغباته بعد كل هذه الأمنيات إلا في اللحظة الأخيرة، إنَّهُ الشاعرُ المحطَّمُ وهو ينتظر لقاءً ولو في الحياة الأخرى، مع ذلك هو لا يبخل على الحبيبة بهذا الفعلِ الشعري الصادق.
على هذه الشاكلة تتجلّى شعريةُ البوح في قصيدة (أطلّي)، فالشاعر يتشظّى في انتظار محبوبته، فالاقرار بلاغة تكشف رغبة مختلفة بالبوح في هذا الليل وهو ينام وحيدا يراقب الأنجم التي تطل من السماء ويتمنى لو ان حبيبته تطل كما النجوم وترجع له رشاده، ودلالة ذلك قوله:
(أطلّي كإطلالة الأنجم
إذا جنّ ليلٌ على مغرم
تراقصنَ في ليله المظلم
بها تسلّى، لأن السهاد
حليف لعينيه دون العباد
فمنه الفؤاد...
ضليلٌ أضاع سبيلَ الرشاد) 
قلقُ الحدث الوجداني حينما يكون الزمانُ والمكانُ لحظةً شعوريةً واحدةً منسجمةً مع بوح الشاعر، حينما يكونُ القلبُ هو المساحة ودقاته هي الزمن يكون الشاعر في هذه اللحظة شجرة من صمت وثمارها جوع الكلام، لكن الحدث الأهم هو مجيء الراهبة التي تغسل جدران القلب من طين النساء، نقل الحدث الشعوري الى حدث حسي ورسم ابعاد وجوده يعد بوحا مختلفا، فانفلات الذات الشاعرة من قيود السيسولوجيا مهم لاجل تحقيق الذات خارج وهم التصورات المسبقة ... يتجلّى ذلك في قوله:
((حينما الصمتُ يُثمِرُ جوعَ الكلام
حينما الليلُ يحرُثُ ذاكرتي بالجنون
حينما القلبُ يقفز مستنفَرا بالهيام
حين تأتين واثقةً أنَّك الباقية
بين جدران قلبي الذي طيَّنته النساء))
الجملة الشعرية المتوترة ترسم حضورها الصادم عند المتلقي اذا كان الخطاب الجمعي مفازة لإقناع الذات بالمشتركات الانسانية، مثل الرحيل والقلق، كما يقول الشاعر:
((كلنا ينتمي للرحيل
كلنا ينتمي للقلق))
ثم يصرخ الشاعر بنفس الفعل الشعري الجمعي ((نكتفي بالأنين))، ليحقق وجعه الخاص، ورغبته بممارسة الألم بل اشتياقه لهذا الألم، ويتعجب في تفرد شعري وبوح غريب لا يشعر به الا الشاعر الحقيقي من اشتياقه لألم دائم في قوله:
((عجباً كيف للقلب أن يستريح
من سعير العذاب
وهو يشتاق للألم الدائم))
أعتقد أنه بوح شعري متفرد، فاشتياق الشاعر للألم الدائم هو سر الابداع، وانا أتذكر قول أم فلورنتينو اريثا لابنها وهو العاشق الذي يعاني من ألم مزمن: تألّم قدر ما تستطيع، فانك بعد زمن لا تستطيع أن تتألم.
ثم ان الشاعر لا يكتفي بالحدث الشعري وبغرابة البوح ممرا وحيدا لمعانيه بل اعتمد أيضا على قوة روحه رغم الألم في إعلان رفضه لواقع الاخر/ الحبيب، ليصرخ في غضب شعري امامها قائلاً:
((كُفّي عن هذيانك الأعمى 
وقودي سفينة قلبك المتكسرة
حيث الضوء
حيث المعنى))
إنَّه صُراخٌ حادٌّ، صراخٌ يتمثَّلُ فيه الرفقُ والحبُّ والرغبةُ بالتماهي مع الحبيبة لصناعة الحياة حيث يتوجهون معا نحو الضوء ويمتزجان معا في وحدة شعورية خارجة عن المألفوف، حيث يلفّهما المعنى الحقيقي لوجودهما. فالحب عند الشاعر صناعة حياة مثالية لا رغبة آنية زائلة.
عموما قرأت الديوانَ أكثرَ من مرة، ولم تسنح لي الفرصة لدراسة كل ما فيه وإنما أرسلت الضوء نحو شذرات مضيئة منه، وكشفت عن الفعل الشعري المحجوب تحتها، وتأكد لي أن شعرية البوح في هذه المدونة متعالقة مع الحدث الشعري الداخلي، وقلق الشاعر مما حوله، وهو يحاول أن ينتصر لحقيقة القيم لا لمظاهرها، انه ببساطة يحاول ان يقول لنا : الغيوم الماطرة لا تسافر طويلا...لانها تريد أن تمطر، وهي تقول لنا ذلك عبر برقها ووميضها.
________________________________
* صدرت عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة، بواقع 103 صفحة، من ثلاث وأربعين نص شعري من الأنماط الشعرية الثلاث: عمودي، تفعيلة، نثر.

اضف تعليق

أحدث أقدم

تابعنا علي الفيس بوك